الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

51

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تقدير تثنية معشرا وجمعه : فالتثنية نحو : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا [ الرحمن : 33 ] الآية ، أي يا معشر الجنّ ويا معشر الإنس ، والجمع نحو قولك : يا معاشر العرب والعجم والبربر . والجنّ تقدّم في قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ في هذه السّورة [ 100 ] . والمراد بالجنّ الشّياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجنّ ، والإنس تقدّم عند قوله : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ في هذه السّورة [ 112 ] . والاستكثار : شدّة الإكثار . فالسّين والتّاء فيه للمبالغة مثل الاستسلام والاستخداع والاستكبار ، ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتّخذ كثيره ، يقال : استكثر من النّعم أو من المال ، أي أكثر من جمعهما ، واستكثر الأمير من الجند ، ولا يتعدّى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الّذي بمعنى عدّ الشّيء كثيرا ، كقوله تعالى : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ المدثر : 6 ] . وقوله : اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ على حذف مضاف ، تقديره : من إضلال الإنس ، أو من إغوائهم ، فمعنى اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أكثرتم من اتّخاذهم ، أي من جعلهم أتباعا لكم ، أي تجاوزتم الحدّ في استهوائهم واستغوائهم ، فطوّعتم منهم كثيرا جدا . والكلام توبيخ للجنّ وإنكار ، أي كان أكثر الإنس طوعا لكم ، والجنّ يشمل الشّياطين ، وهم يغوون النّاس ويطوّعونهم : بالوسوسة ، والتخييل ، والإرهاب ، والمسّ ، ونحو ذلك ، حتّى توهّم النّاس مقدرتهم وأنّهم محتاجون إليهم ، فتوسّلوا إليهم بالإرضاء وترك اسم اللّه على ذبائحهم وفي شؤونهم ، وحتّى أصبح المسافر إذا نزل واديا قال : « أعوذ بسيّد هذا الوادي ، أو بربّ هذا الوادي ، يعني به كبير الجنّ ، أو قال : يا ربّ الوادي إنّي أستجير بك » يعني سيّد الجنّ . وكان العرب يعتقدون أنّ الفيافي والأودية المتّسعة بين الجبال معمورة بالجنّ ، ويتخيّلون أصوات الرّياح زجل الجنّ . قال الأعشى : وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة * للجنّ باللّيل في حافاتها زجل وفي الكلام تعريض بتوبيخ الإنس الّذين اتّبعوهم ، وأطاعوهم ، وأفرطوا في مرضاتهم ، ولم يسمعوا من يدعوهم إلى نبذ متابعتهم ، كما يدلّ عليه قوله الآتي : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام : 130 ] فإنّه تدرّج في التّوبيخ وقطع المعذرة .